مفهوم الشجاعة في نهضة الامام الحسين (ع)

مرتضى معاش

ماهو المفهوم من الشجاعة، واذا لم تكن الشجاعة بمعنى القوة الجسدية، فما هي المعايير التي نعرف بها معنى الشجاعة؟ وماهو ارتباط الشجاعة بمنظومة القيم الأخلاقية؟ وكيف تكون الشجاعة او عدمها بمفهوم النصرة والخذلان للإمام الحسين (عليه السلام)؟ وكيف تجسدت الشجاعة في مسلم بم عقيل؟ وكيف توثر الشجاعة في واقعة عاشوراء على تربية اجيالنا؟

الشجاعة هي قوة معنوية تجعل الانسان قادرا على مواجهة التحديات والصعاب وانضباط الانفعال والتحكم بردود الفعل، فمهما كانت قوة الانسان الجسدية تبقى قوته المعنوية هي الفيصل في الميدان، لذلك نرى بعض الأشخاص أقوياء جسميّا لكن يُهزمون نفسيا ويخسرون، ورأينا في كل الأزمان والامكنة كيف أن المجتمعات تنهار نتيجة لعدم وجود شجاعة حقيقية لمواجهة التحديات التي تتعرض لها هذه المجتمعات في الأزمات. قال الامام علي (عليه السلام): وجدت الحلم والاحتمال انصر لي من شجعان الرجال).

لأن الأساس في القوة هو القوة المعنوية، فالشجاعة هي من الفضائل التي تنتج ملَكَة نفسية ومرتبة اخلاقية، فتحتاج إلى تربية وتنمية لتحقيق تراكم الفضائل ومن أهمها العقل والحلم والعطاء والصبر والعلم، قال الامام علي (عليه السلام): (أشجع الناس من غلب الجهل بالحلم)، (لا أشجع من لبيب).

ومعرفة معنى القوة الحقيقية من خلال السلوك المعتدل، فالشجاعة فضيلة وسطية بين الجبن والتهور. فلا شجاعة في الطغيان والاعتداء بل الشجاعة في العفو والسماحة. فالشجاعة تعني سلطة الإنسان على نفسه، كما في الرواية عن الإمام علي (ع): (أقوى الناس أعظمهم سلطانا على نفسه)، (الشجاعة صبر ساعة). معنى ذلك كلما كان الإنسان صبورا وقويا في التمسك بنفسه وقوتها يكون شجاعا أكثر.

وفي الازمات التي نعيشها اليوم حيث استبداد وعنف الحكام الظالمين نلاحظ أن الإنسان يتعرض للانهيار، والسبب في ذلك عدم وجود شجاعة وقوة معنوية عند هذا الإنسان في مواجهة هذه التحديات، بمعني أن اليأس والإحباط الذي نراهما عند كثير من الناس بمثابة الموت البطيء، حيث يستسلم للأمر الواقع بسبب الخوف وفقدان الايمان والشك والقلق، وهذا الاستسلام هو سبب في كثير من الانهيارات الإنسانية والاجتماعية. وقد رأينا قضية الحيادية في عدم نصرة الإمام الحسين (عليه السلام)، عندما أصبح الحياد هو نوع من الانهزام وعدم وجود الشجاعة في اتخاذ موقف، فمعنى الشجاعة هو عدم الوقوف في جانب الحياد بل اتخاذ موقف يعبر عن ايمان ويكشف عن مسؤوليته العقلية والشرعية.

بعض الأشخاص لا يتخذ موقفا في بادئ الأمر، بمعنى إذا اتخذ موقفا لا ينتظر أن تظهر النتيجة في نفس اللحظة، فربما تظهر النتيجة بعد مدة، لذا عليه أن يصبر إلى أن تبان نتيجة اتخاذه لهذا الموقف الشجاع أو العكس.

الشجاعة هي القدرة على اتخاذ الموقف، نلاحظ اليوم أن بعض الناس يعتبرون من لا يواجههم بأنه جبان وضعيف، فيمارسون العنف ضده، والعنف هو من أسوأ الرذائل التي يمكن للإنسان أن يفعلها، لأنه لم يضبط نفسه فيمارس العنف ضد الآخر ويعتدي عليه، لذلك نلاحظ أن الروايات تدعو الإنسان للتحلي بالصبر والحلم والحزم، وكما جاء في الرواية، فالحزم قوة كبيرة للإنسان الذي يضبط نفسه، فعن الإمام علي (عليه السلام): (آفة الشجاعة إضاعة الحزم)، وفعلا هذه هي القوة الحقيقية والملَكة النفسانية التي ينالها الإنسان من خلال ممارسة التصبّر والمصابرة في حياته. فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ألا أخبركم بأشدكم وأقواكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله!، قال: أشدكم وأقواكم الذي إذا رضي لم يدخله رضاه في إثم ولا باطل، وإذا سخط لم يخرجه سخطه من قول الحق، وإذا قدر لم يتعاط ما ليس له بحق).

معايير الشجاعة

من المواقف التي يُعرف بها الإنسان هو الثبات على المبدأ، فهناك من الناس بسبب خوفهم على حياتهم ينهزمون ويتنكرون للمبادئ، أو أنه يريد يعيش حياته فحسب، فيقول ما علاقتي بالمبادئ، وبماذا تفيدني؟، وهذه مصيبة كبيرة.

ولاحظوا أن أولئك الذين يتخلوا عن مبادئهم، إذا أصبحوا واحدا أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة، فإن حالة التنكّر للمبادئ تصبح ظاهرة عامة، وعندها ينتشر الفساد في المجتمع ويصبح مجتمعا فاسدا، لأنه قام بالتخلي عن المبادئ الأساسية التي لابد للإنسان أن يتمسك بها من أجل حماية نفسه ومجتمعه.

لذلك من أهم صفات الإنسان الشجاع، أنه مبدئي، لا يتهاون، ولا يتلاعب، ولا ينظر إلى مصالحه إلا إذا كانت نابعة من مبادئه، كذلك يجب أن لا يبيع مبادئه بأشياء بسيطة.

واقعة عاشوراء معركة بين المبادئ والمصالح

لقد انهزم كثير من الناس من أجل مصالحهم، قليل من أصحاب الإمام الحسين بقوا معه (عليه السلام) من أجل المبادئ، فإيمانهم بالإمام الحسين هو مبدأ إيمانهم بالحق في مقابل الباطل، وإيمانهم بالتضحية هو إيمان بالإمام (عليه السلام)، ولابد من مواجهة الباطل لأنه دمار وتدمير للمجتمع وللإنسان نفسه، فالهروب من مواجهة الباطل خسارة وليست ربحا.

لابد للإنسان التمسك بالمبدأ رغم أن بعض الناس يقول لك: لماذا أنت مثالي جدا، ولماذا هذه المثالية، عش حياتك، ودع هذه المثالية جانبا لأنك سوف تخسر، لكنك تقول إن الربح الحقيقي يكمن في التمسك بالمبادئ، وأولئك الذين يذهبون وراء مصالح صغيرة من اجل أن يربحوا شيئا صغيرا هم أناس سطحيون وخاسرون في الدنيا والآخرة.

هؤلاء مثلهم مثل الإنسان الذي يذهب للشراء من صاحب دكان لا يهمه أن يكذب ولا يكون صادقا مع المشتري، بالتالي حين يكذب على المشتري رغم أن ربحه بسيط، فإن المشتري لا يأتي مرة أخرى ليشتري من صاحب الدكان لأنه كاذب، هذه خسارة وليست ربحا، كذلك فإن المشتري سوف يبلّغ الآخرين بأن صاحب الدكان شخص كاذب فلا تشتروا منه. وهكذا سوف لا يخسر شخصا واحدا، بل خسر عدة زبائن.

من قضايا الشجاعة التي نعرِّف بها، هي قضية نصرة المظلومين، فالإنسان الذي لا ينصر المظلوم يعدّ جبانا وليس شجاعا، لاسيما أننا نرى الناس في حاجة إلى من يساندهم، فمن الذي يكون معهم، ويقوم بحمايتهم وحماية حقوقهم؟، لكننا نرى الكثير من الناس متخلّين عن هذه القضية. فنصرة المظلوم من شيم الشجعان، والشجاع هو من ينصر المظلوم ويقف معه.

الشجاعة في الانتصار للدين

الانتصار الحقيقي للدين هو أمر جوهري، لأنه الأساس الذي يحمي المجتمعات، لأن الدين إيمان وتقوى، لاحظوا هذه الآية المباركة (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا من الصادقين)، فالدين معناه كل الفضائل الأخلاقية والتقوى، وإذا لم ننتصر للدين لن ننتصر للتقوى والإيمان، فيكون المجتمع مخلخلا ومختلّا ومريضا. لذلك من شيم الشجعان أن يقف الإنسان مع الدين.

الشجاعة هي القوة الحكيمة، أي يكون استخدامها بحكمة، وفي موقعها، والشجاع هو الذي ينتصر للدين بحكمة، ويتم انتصار الدين بأشياء كثيرة، منها العلم والمعرفة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونصرة المظلوم.

الإنفاق في سبيل الله

من المعايير الأخرى الإنفاق في سبيل الله، ففي الروايات تذكر الشجاعة مع السماحة والسخاء، لأن قمة الشجاعة أن الإنسان ينفق أمواله في سبيل الله، وفي سبيل الفقراء وبناء المجتمع، فالانفاق من سمات الشجعان، لأن الإنسان بطبيعته يخشى على أمواله من أن تقلّ، فيكون جبانا في إنفاقها، ويكون بخيلا وحريصا، لكن هذه ليست من صفات الشجاع، فالإنسان الشجاع هو الذي ينفق أمواله على الخير والمحتاجين، والإنفاق في سبيل الإمام الحسين (عليه السلام)، فيضاعفها الله له أضعافا مضاعفة. فعن الإمام علي (عليه السلام): (أشجع الناس أسخاهم).

قصة وفاء

من أهم صفات الحسينيين في عاشوراء هو الوفاء فقضية كربلاء هي قصة وفاء، كما نلاحظ في وفاء مسلم بن عقيل، ووفاء أبي الفضل العباس (عليه السلام)، ووفاء أولئك الشجعان الذين لم يفكروا بأنفسهم.

وهذا هو الفرق بين الناجحين والفاشلين، فالناجحون هم الملتزمون بعهودهم وكلامهم، الموفون بعهودهم، لذلك نراهم محترمين أقوياء وشجعان، أما الإنسان الذي يتخلى عن وفائه وعهده، فهذا إنسان فاشل، فحتى علماء النفس أو علماء الإدارة يقولون إن الإنسان الناجح يوفي بكلامه وعهوده دائما، وهذه من صفات الإنسان الشجاع مهما كانت الظروف.

ارتباط الشجاعة بمنظومة القيم الأخلاقية

البعض يعرف معنى القوة بمعاني عدة منها القوة الصلبة والقوة الذكية والقوة الناعمة وقوة الارغام، لكن القوة في حقيقتها هي قوة الأخلاق، لذلك في الحديث عن الامام علي (عليه السلام): (لو تميزت الأشياء لكان الصدق مع الشجاعة، وكان الجبن مع الكذب). فالإنسان الشجاع صادق ولا يخاف من قول كلمة الحق، ولو وضعوا شيئا مع الجُبْن لكان الكذب، فالكذاب جبان، لذلك فإن القيم الأخلاقية في حياة الإنسان تصل به إلى مرتبة ملَكة الشجاعة، فهو قوي لأنه تغذى بهذه القيم الأخلاقية. وعن الامام الصادق (عليه السلام): (من كانت فيه خلة من ثلاثة انتظمت فيه ثلاثتها في تفخيمه وهيبته وجماله: من كان له ورع، أو سماحة، أو شجاعة).

الخوف من الله

إن أهم الطرق في بناء الشجاعة هو الخوف من الله سبحانه وتعالى، يقول الامام الصادق (عليه السلام): من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء.

لماذا تخاف من الظالم، ولماذا تخاف من الآخرين، لماذا تخاف من أن ينقطع رزقك، عليك أن تخاف من الله سبحانه وتعالى فقط، فإذا كان الإنسان خائفا من الله كان شجاعا قويا في الدنيا، وقال (عليه السلام): من عرف الله خاف الله ومن خاف الله سخت نفسه عن الدنيا.

الشجاع لا يهتم للدنيا، فهي ليست مهمة عنده، إنها شيء بسيط، وليس مهما أن يحرص على منافعه ولذاته في الدنيا، ولا يقلق ولا يخاف من ضياع مستقبله، لذلك فإن الأبطال الحقيقيين هم الشجعان الحقيقيون الذين يخافون من الله.

القوة المعنوية للإمام علي (عليه السلام)

أكثر الناس خوفا من الله تعالى الإمام علي (عليه السلام)، كان الامام علي (عليه السلام) إذا حضر وقت الصلاة تلون وتزلزل. فقيل له: ما لك؟ فيقول: جاء وقت أمانة عرضها الله تعالى على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان على ضعفه، فلا أدري أحسن إذا حملت أم لا.

لذلك كان أشجع الناس، فقضية الإمام علي (عليه السلام) ليست قضية جسدية فقط، وإنما هي قضية معنوية كبيرة وعظيمة، فمن كان يقاتل الإمام علي كان يخاف من إيمان الإمام (عليه السلام) وقوته المعنوية الهائلة، فكان ينهار وينهزم قبل بدء القتال، لذا نستطيع أن نقول أن الأضداد قد اجتمعت في أمير المؤمنين (عليه السلام)، فهو الشجاع الخائف، إنه الشجاع في ساحة المعركة والخائف من الله سبحانه، ومن يخاف الله فهو شجاع لأنه يخافه تعالى ولا يخاف من أي شيء آخر.

أما الإنسان الذي لا يخاف من الله سبحانه وتعالى، ويخاف من الناس، فهذا جبان وعبد، واليوم نعيش في مجتمعات متخلفة بائسة شقية، بسبب خوف الناس من الحكام الظالمين ومن الآخرين، فنلاحظ أن الإنسان يتعلم الخوف وهو صغير لذلك فهو لايحمل الشجاعة في قلبه.