– عاشوراء ، ثورة الأخلاق وأخلاق الثورة

 المحاضرة: “الأستاذة الفاضلة أم محمّد باقر الخرسان من العراق – ماجستير في علوم القرآن والتفسير”

انطلقت الأستاذة المحاضِرة بالمحور الأوّل للندوة معرِّفةً فيه معنى الثّورة لغةً واصطلاحاً ، وأنواع الثّورات وأشكالها من قبيل العصيان المدني والعنف الثوري أو الانقلاب العسكري ، ثمّ عرّجت على ذكر نماذج من الثّورات الغربية والثّورات الإسلامية ، وخاصّة الثّورات التي قامت في صدر الإسلام مؤكّدةً بأنّ سببها إقصاء الخلفاء الشرعيين من بعد الرسول صلّى الله عليه وآله.

المحور الثاني: أشارت الأستاذة إلى الواقع الموضوعي الذي كان يعيشه المجتمع الإسلامي والذي كان عبارة عن نتاجٍ للسياسة التي اعتمدها الخلفاء ، بحيث لم يتسنّ لأمير المؤمنين عليه السلام ولا لابنه الإمام الحسن عليه السلام الإصلاح والتغيير ، حتّى وصل الحال إلى ارتقاء يزيد كرسي الخلافة ومطالبته المسلمين بالبيعة؛ وهنا لابدّ من صوتٍ وقيامٍ وإن كان هذا القيام للترميم والتقويم ، وكانت هذه المسؤولية على عاتق سبط الرّسول الإمام الحسين عليه السلام فرفع شعار الإصلاح ليعيد للأمّة تماسكها القيمي وأخلاقها الإيمانية لذا كانت ثورته ثورة أخلاقية بمعنى الكلمة ، وهذا ما كان واضحاً من أولى خطاباته عليه السلام.

المحور الثالث: تناولت فيه الأستاذة أهمّ الأطر الأخلاقية التي رسمها سيّد الشّهداء عليه السلام لا لثورته فحسب بل لكلّ الثّورات الإصلاحية بغضّ النّظر عن الانتماء الديني والمذهبي والعرقي ، بما فيها:

1.عدم الرضوخ للذلّ ، (لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل…).

2. تجسيد النبل وسموّ الروح ، (لا أرى الموت إلّا سعادة والحياة مع الظالمين إلّا برماً).

3. الحركة ضمن تقوى الله تعالى ، في وصيته لسفيره مسلم بن عقيل عليه السلام حيث يأمره بتقوى الله وكتمان الأمر.

4. عدم معاملة العدو بالمثل ، نراه يسقي جيش الحرّ ويرشف خيوله مع علمه بأنّهم سيمنعونه الماء بعد حين.

5. عدم تبرير الوسيلة للوصول إلى الهدف والغاية.

6. عدم مهاجمة الفئة المدنية ، فلم يهجم على قرية أو قبيلة أو قافلة بل كان يمنحهم الأمان والعهود.

7. لم يحرق بيتاً ولم ينهب داراً ولم يعث بالأرض خراباً ولا فساداً.

إلى غير ذلك من الأمور التي اتبعها الإمام الحسين عليه السلام في ثورته والتي تنمّ عن انضباط قائد عاشوراء بمقاصد الشريعة وقيمها الأخلاقية.

ثمّ أجابت الأستاذة عن الأسئلة الموجّهة إليها بما فيها:

1.قد يقال إنّ القضايا الأخلاقية أمور نسبية وغير ثابتة ، فكيف تسنّى لثورة عاشوراء أن تؤسّس خطوطاً عامّة لكلّ الثّورات في كلّ زمان ومكان؟

 الجواب: القضايا الأخلاقية أمور ثابتة وليست نسبية ، نعم قد يحصل اختلاف في الجزئيات والمصاديق لكن العدل _مثلاً_ كمفهومٍ عام ، لا يختلف عليه اثنان فضلاً عن اختلاف أمّة عن أمّة ، وهذا ما يحدّده العقل البشري الذي جعله الله من المصادر التي لها حجّيّتها الخاصّة ، وما أتت الرسل والشرائع إلّا لدعم العقل الذي هو النبي الباطني للإنسان ، ولذا ما حسّنه العقل حسّنه الشرع وما قبّحه العقل قبّحه الشرع والعكس صحيح أيضاً. لذلك لا نجد أيّ تعارض وتضادّ فيما بين العقل والشرع؛ وعليه تبقى القضايا الأخلاقية أمور ثابتة وليست نسبية.

2. ربما يتصوّر أنّ القول بتأسيس عاشوراء للأطر الأخلاقية العامّة نوع تحميلٍ على تلك الثورة ، فما هو رأيكم؟

الجواب:الشهيد السبط عليه السلام هو الوريث الشرعي والامتداد الطبيعي للنبي ، وبما أن النبي أرسل للنّاس كافّةً وأنّ رسالته هي الرسالة الخاتمة للأديان والشرائع ، فإنّ وريثه يجب أن يكون إماماً للنّاس كافّة وثورته يجب أن تكون ثورة عالمية ، وقد أشار عليه السلام في هدفية ثورته بأنّها إحياء لمعالم رسالة جدّه ، وإقامة وتثبيت الأخلاق التي جاء بها ، وإلى هذا الأمر يشير الإمام الصادق عليه السلام: (لينقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة) والعباد كلمة عامّة لكلّ البشر ، إذن عاشوراء ثورة عالمية بالضرورة ، وهي ثورة مؤسِّسة للأخلاق والقيم العالمية بالضرورة أيضاً ، ولا تحميل في المقام.

3. هل إنّ وجود المعصوم هو ما جعل ثورة عاشوراء تؤسّس للأطر الأخلاقية؟

الجواب: لا شكّ بأنّ وجود المعصوم له الدور الكبير في نجاح ثورة عاشوراء من حيث إنّها ثورة الأخلاق وأنّها المؤسّسة لأخلاق الثّورات ، وذلك لأنّه الإنسان الكامل {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} فالإمام هو التجسيد التام لمقاصد الشريعة ، عقائدياً وسلوكياً وأخلاقياً ، ولا شكّ أن تكون ثورته ثورة الأخلاق التي دعا إليها الرسول: (إنما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق) لذا كانت ثورته ثورة مدروسة ومنضبطة لتحقيق ما تريد أن تؤسّس له من قيم أخلاقية وإيمانية.